4. فخ “حرب الإسناد”: كيف استدرجت شبكات مبيضي الأموال حزب الله وحماس إلى الهاوية؟

السيادة الوطنية لا تقبل القسمة على ‘ساحات’ الآخرين؛ فلا يُبنى تحريرُ وطنٍ على أنقاضِ وطنٍ آخر، كما حدث في فخ ‘حرب الإسناد’ الذي استُدرج إليه حزب الله وحماس بمعلومات مضللة طبختها شبكات مشبوهة.”

بهذه القاعدة الذهبية، يتكشف الزيف في السرديات التي حاولت لسنوات شرعنة “السلاح العابر للحدود”. إن الفكرة القائلة بأن كرامة وطن يمكن أن تُصان عبر تحويله إلى مجرد “صندوق بريد” أو “ساحة إسناد” لصراعات إقليمية، هي سقطة استراتيجية وأخلاقية قبل أن تكون سياسية. وما “حرب الإسناد” الأخيرة إلا البرهان الساطع على أن لبنان لم يكن بقرار من يملك السلاح سوى ورقة في لعبة استخباراتية كبرى، انتهت باستدراج مدمر.

خديعة “المعلومات العراقية” وتبييض الأموال

تُشير المعطيات المسربة من كواليس العمليات الأمنية إلى أن الانخراط في “حرب الإسناد” لم يكن وليد رؤية سيادية، بل كان نتيجة “استدراج أمني” محكم. فالمعلومات الخاطئة التي بُني عليها قرار التصعيد مرّت عبر قنوات في العراق، أدارتها شبكات محترفة لمبيضي الأموال المرتبطين باقتصاد الظل. هذه الشبكات، التي تعمل في مناطق رمادية بين الجريمة المنظمة والاستخبارات، نجحت في تقديم تقديرات مضللة للواقع الميداني والسياسي، مما أوقع القوى المسلحة (حزب الله وحماس) في شرك مواجهة لم تكن محسوبة العواقب، دُفع ثمنها من دماء اللبنانيين ومستقبلهم.

تفكيك سردية “المقاوم”: من الحق المشترك إلى الارتهان

إن حق الشعوب في المقاومة هو مبدأ مقدس في القانون الدولي والوعي الإنساني، لكن هذا الحق مشروط بكونه فعلاً وطنياً يخدم “الدولة والشعب” حصراً. السردية التي جرى ترويجها لعقود حاولت خلط المفاهيم، لتبدو التبعية للمحاور الخارجية وكأنها “مقاومة”.

تفكيك هذه السردية اليوم يوجب العودة إلى المربع الأول: المقاومة الحقيقية هي التي تنطلق من مصلحة الوطن وحماية حدوده، لا التي تستخدم إقليم الدولة كمنصة لتحسين شروط تفاوض قوى إقليمية. عندما تتحول “المقاومة” إلى أداة تُحركها معلومات من شبكات تبييض أموال في الخارج، فإنها تفقد صفتها الميثاقية وتتحول في نظر القانون والمنطق إلى “قوة موازية” تهدد الكيان الوطني أكثر مما تحميه.

المقاومة في إطار وطني.. لا وكالة إقليمية

إن استحضار مفهوم “المقاومة” لا يمكن أن يظل غطاءً لتعطيل وظائف الدولة. السيادة الوطنية تقتضي حصرية السلاح بِيَد المؤسسات الرسمية، لأن تعدد “السيادات الموازية” يجعل الوطن عرضة للاختراقات. لقد كشفت “حرب الإسناد” أن الانكشاف الأمني والعسكري لم يكن تقنياً فحسب، بل كان بنيوياً؛ فالسلاح الذي يرتهن لتقديرات خارجية ومعلومات مضللة من شبكات مالية مشبوهة، هو سلاح فاقد للبوصلة الوطنية.

من “القدسية” إلى “المساءلة”

أدت الأزمات المتلاحقة، من تغلغل الفساد في البيئات الحاضنة إلى اكتشاف عمليات اختلاس الأموال المخصصة للمتضررين، إلى سقوط “هالة القدسية” عن هذا السلاح. السردية البديلة التي تتبلور الآن هي “سردية الدولة”؛ الدولة التي ترفض أن تكون “جسر عبور” لتحرير الآخرين بينما تغرق هي في الركام.

إن استعادة لبنان لسيادته تمر حتماً عبر إنهاء بدعة “الإسناد” والتمسك بحق المقاومة كفعل دفاعي وطني خالص، تحت إشراف الدولة وقرارها الحر. فالوطنية الحقة لا تقبل أن يُستدرج شبابها إلى حروب استنزافية بناءً على وشايات “مبيضي أموال” أو أجندات إقليمية غامضة، بل هي التي تجعل من مصلحة لبنان، ولبنان وحده، البوصلة والهدف والغاية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …