كما في ايران كذلك في لبنان، وعلى اسوء: عقيدة “ماسادا” والانتحار المشترك

في تحليل استراتيجي ومثير لأبعاد الصراع المحتدم في الشرق الأوسط، أكد الخبير الاستراتيجي الفرنسي، ألان بوير (Alain Bauer)، أن السعي الإيراني الحثيث لامتلاك السلاح النووي لا ينطلق من عقيدة هجومية لتدمير إسرائيل، بل ينبع في مقامه الأول من “استراتيجية بقاء أبدية” تهدف إلى تحصين النظام الحاكم في طهران ضد أي محاولات غربية أو إقليمية لإسقاطه أو غزو أراضيه.

واعتبر بوير، خلال حلقة نقاشية تناولت التصعيد العسكري الجاري ومستقبل المواجهة مع طهران، أن النموذج الذي تصبو إليه إيران هو استنساخ تام لـ “النموذج الكوري الشمالي”؛ حيث يتحول الردع النووي إلى درع سياسي وعسكري يمنع القوى العظمى من التفكير في تغيير النظام بالقوة، ويضمن استمراريته التاريخية بغض النظر عن الأزمات الداخلية أو العزلة الدولية.

عقيدة “ماسادا” والانتحار المشترك

وفي إطار تحليله لطبيعة الردع الإيراني في حال امتلاك القنبلة، لفت بوير إلى ما يُعرف بـ “متلازمة ماسادا” (Masada Syndrome)، وهو مصطلح تاريخي يشير إلى خيار الانتحار الجماعي بدلاً من الاستسلام. وأوضح الخبير الفرنسي أن طهران تقارب السلاح النووي من هذا المنظور الصارم؛ فهو ليس أداة للمبادأة بالحرب، بل هو رسالة واضحة للأعداء مفادها: “إذا شارف نظامنا على الفناء والزوال، فلن نموت بمفردنا، وسنهلك الجميع معنا”.

وأضاف بوير أن هذه العقيدة تفسر سبب تحول الموقف الإيراني التاريخي من الفتاوى الدينية التي كانت تحرّم السلاح النووي في السابق، إلى اعتباره اليوم أداة وجودية ومقدسة لضمان خلود نظام الولي الفقية.

إسقاط النموذج على لبنان: التشبيك مع “التيار” والانتحار الجماعي

وتمديداً لهذا الفكر الوجودي، يظهر أن طهران لم تحصر “عقيدة البقاء” داخل حدودها الجغرافية فحسب، بل طبقتها عملياً وبأثر رجعي في ساحات نفوذها الإقليمية، وعلى رأسها لبنان. فمن خلال ذراعها المحلي (حزب الله)، نجحت إيران في إسقاط “متلازمة ماسادا” على الواقع اللبناني عبر استراتيجية تشبيك سياسي وأمني عميق، كان أبرز تجلياتها التحالف والتشبيك مع منظومة “التيار الوطني الحر”. (معلومات خاصة للـ”خبر” وسبق ان حاولت مديرة التحرير ايقافها وحذرت مرارا غباء حبيب يونس )

هذا التشبيك المصلحي والغطاء المسيحي أمّن للحزب بيئة حماية داخلية ومؤسساتية، حوّلت سلاحه من مسألة خلافية محلية إلى “أمر واقع” مرتبط ببنية الدولة نفسها. ومن هذا المنطلق، باتت المعادلة الإيرانية في لبنان واضحة: إذا وُضع حزب الله أمام خيار ثنائي حتمي يخيّره بين تسليم سلاحه وإنهاء دورة نفوذه، أو البقاء؛ فإن الحزب – مدفوعاً بالعقيدة الوجودية ذاتها – سيفضل خيار “الانتحار بلبنان ككل”، وتفجير الساحة الداخلية سياسياً، اقتصادياً، وأمنياً، وإهلاك الصيغة اللبنانية برمتها، على أن يسلّم سلاحه أو يقبل بالاستسلام الهادئ.

سباق مع التدمير وتحصينات “الأهرامات الجرانيتية”

وربط بوير بين هذه العقيدة السياسية وبين الواقع الميداني وهندسة التحصينات الإيرانية؛ مشيراً إلى أن طهران نجحت على مدار 25 عاماً في بناء “دفاع فسيفسائي” لا مركزي، ونقلت منشآتها الحيوية ومخزونها من اليورانيوم المخصب (الذي يتجاوز 11 طناً بنسب تتراوح بين 2% و60%) إلى أعماق سحيقة تحت الجبال.

ووصف الخبير الفرنسي تصميم الأنفاق الإيرانية (مثل موقع فوردو، نطنز، وموقع جبل الفأس) بأنه يشبه “الهندسة الهرمية المتعرجة”؛ حيث لا يعتمد على بئر مركزي واحد يمكن تدميره بضربة حظ، بل على شبكات معقدة من الممرات والآبار المحفورة داخل كتل جرانيتية صلبة. هذا الواقع يجعل من القصف الجوي التقليدي عاجزاً عن إحداث تدمير نهائي، ويقتصر أثره على سد المداخل وتأخير البرامج لبعض الوقت، وهو ما يعزز ثقة طهران في قدرتها على بلوغ “حافة العتبة النووية” وصناعة الرأس الحربي لتوثيق حتمية ردعها.

سلاح سياسي بامتياز

وفي ذات السياق التحليلي، تقاطع موقف بوير مع رؤية العقيد في مشاة البحرية، بير دو يونغ (Père de Jong)، الذي أكد بدوره أن السلاح النووي – تكتيكياً كان أم استراتيجياً – هو “سلاح سياسي لعدم الاستخدام”.

وخلص التحليل الاستراتيجي إلى أن الخوف الحقيقي للقوى الغربية وإسرائيل لا يكمن في إقدام إيران على إطلاق ضربة نووية أولى غير مبررة، بل في أن امتلاكها لهذا الزناد سيمنحها حصانة مطلقة تجعل من المستحيل المساس بها، ويُطلق يدها وأيدي أذرعها بالكامل في المنطقة تحت مظلة الردع النووي، مما يثبّت معادلة “إما البقاء وإما الدمار الشامل للجميع”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

زيارة جوزيف عون إلى واشنطن: الدعم الأميركي للجيش بين وعود ترامب ومطرقة الكونغرس

في أول زيارة لرئيس لبناني إلى العاصمة الأميركية واشنطن منذ عام 2009، حمل الرئيس جوزيف …