تواجه الساحة السياسية في قضاء كسروان، التي تُعد تاريخياً أحد المعاقل الأساسية للتيار الوطني الحر، ديناميكيات معقدة تضع خيارات التيار وحضوره الشعبي أمام اختبارات حقيقية. وتتداخل في هذه الأزمة عوامل محلية، إقليمية، وجيوسياسية تفرض على قيادة التيار تحديات ملموسة في إدارة شؤونها الداخلية، لا سيما في ظل انسداد القنوات الدبلوماسية، والتباينات الإيديولوجية للقيادات المحلية، وتفكك الشبكات الاقتصادية الحزبية، وبروز خيارات بديلة تحظى بحصانة اقتصادية وسياسية متنامية.
أولاً: عبء العقوبات الثنائية وتلاشي رهانات الوساطة الرئاسية
يتأثر موقف التيار الوطني الحر في كسروان بشكل مباشر ببيئة العقوبات الدولية التي لم تعد تقتصر على رئيسه النائب جبران باسيل فحسب، بل امتدت لتشمل حلفاءه والخيارات السياسية التي يدور حولها الاستحقاق الرئاسي، لا سيما مع الإجراءات والعقوبات الأخيرة المرتبطة بالوزير السابق سليمان فرنجية والدائرة السياسية والاقتصادية المقربة من محوره.
هذا الطوق من العقوبات الثنائية والممتدة يخلق مأزقاً للتيار على مستويين:
-
تعطيل الترشيح الرئاسي وتحجيم قنوات الوساطة: وضعت العقوبات والضغوط الأخيرة عملياً “خطين تحت اسم” سليمان فرنجية كمرشح رئاسي، مما جعل حظوظه تواجه فيتو دولياً وإقليمياً يصعب تجاوزه. وفي هذا السياق، سقطت الرهانات المحلية التي كانت تعول على دور الشخصية اللبنانية-الأميركية المقربة من الإدارة الأميركية، مسعد بولس (والد زوج تيفاني ترامب)، كوسيط قادر على فكفكة أزمة العقوبات (داني خوري نموذج الذي استعان بالكتائب ومارك حبقة) أو التمهيد لفرنجية؛ إذ جرى شل حركته السياسية وتحجيم فاعليته بضوابط صارمة وقوانين امتثال حوّلته إلى مجرد مستشار شكلي (في حين تعظم ابنة ترامب الكبرى اعمال الاب الاساسي اي ترامب نفسه)، لمنع أي تضارب للمصالح مع السياسات الخارجية الأميركية الصارمة (وتاثير اي مشاكل شخصية على هالة “آل ترامب”)، مما أغلق باب الوساطات الخلفية تماماً.
-
انهيار صيغ المقايضة التقليدية: أحبطت هذه البيئة المشوبة بالعقوبات أي إمكانية لمفاوضات التسوية التي كانت تطرح تاريخياً، وتحديداً صيغة المقايضة القائمة على انتخاب فرنجية للرئاسة مقابل عودة الرئيس سعد الحريري إلى السراي الحكومي. فقد تلاشت هذه الصيغة كلياً، ليس فقط بسبب الفيتو على فرنجية، بل أيضاً لأن الحريري نفسه بات خارج التركيبة السياسية والمعادلة السلطوية القائمة حالياً، مما حرم هذا المحور من شريك أساسي للتسوية وترك التيار وحلفاءه دون مخارج واضحة.
ثانياً: المأزق الدبلوماسي الدولي والاضطرار للقنوات الفرنسية الضيقة
يعيش التيار الوطني الحر مأزقاً عميقاً في علاقاته الدولية نتيجة العزلة المفروضة عليه غربياً وعربياً. وفي ظل إغلاق معظم الأبواب الدبلوماسية في وجهه، يجد التيار نفسه مضطراً لتركيز قنوات اتصاله الخارجي عبر هوامش ضيقة للغاية، ومن أبرزها الاعتماد على العلاقات والتعاون مع السفير اللبناني الحالي في فرنسا (الذي شغل سابقاً منصب مستشار وزير الداخلية الأسبق زياد بارود)، لمحاولة الإبقاء على خيط تواصل مع العاصمة الفرنسية باريس التي تقود تاريخياً الملف اللبناني.
هذا الحصر الدبلوماسي يأتي في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، يتسم بالآتي:
-
تصاعد نقد “السياسات الفرنسية”: تشهد الساحة اللبنانية موجة متصاعدة من الانتقادات لـ “السياسة الفرنسية في لبنان”، حيث يتجاوز النقد الأداء السياسي اليومي ليصل إلى تشريح وتفنيد البنية التاريخية التي أسست لها فرنسا (لبنان الكبير).
-
استدعاء طيف الإمام محمد مهدي شمس الدين: في خضم هذا النقد للمشروع الغربي/الفرنسي، تبرز محاولات من بعض القوى الفكرية والسياسية للاحتماء بظلال الفكر السياسي للإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين (الذي طرح نظريات متقدمة حول “دولة المواطنة” ورفض صيغ الأقليات والامتيازات الطائفية).
-
المقاربة الإيرانية لملف الأقليات: تُوظف طهران وحلفاؤها هذا الإرث الفكري (طيف الإمام شمس الدين) كأداة أيديولوجية وسياسية للتعامل مع ملف “الأقليات المسيحية” في لبنان والمنطقة. وتسعى هذه المقاربة إلى تقديم “رعاية إقليمية بديلة” للمسيحيين تقوم على فكرة الاندماج المشرقي وتجاوز الرعاية الغربية/الفرنسية التقليدية التي تُتهم بأنها تسببت في إضعاف الوجود المسيحي عبر ربطه بمشاريع خارجية مأزومة.
ثالثاً: إعادة تشكيل خارطة العلاقات الدولية وضغوط “اقتصاد الكاش” وتجفيف التمويل
تفرض التحولات الراهنة في النظام الدولي والمالي، لا سيما مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتوجهاته الاقتصادية الصارمة، قواعد جديدة للاشتباك المالي عبر آليات محددة:
-
إخضاع المعاقبين للقوانين المحلية والامتثال المصرفي:
إن العقوبات الأميركية تحولت إلى أداة تفرض على المنظومة القضائية والمالية المحلية تطبيق إجراءات امتثال صارمة، مما يُخضع الشخصيات المعاقبة وحلفاءها للقوانين والقيود المحلية قسراً، ويؤدي إلى تجميد حساباتهم وحظر تعاملاتهم المصرفية الرسمية بالعملات الأجنبية داخل وطنهم، وبالتالي شل قدراتهم على المناورة المالية محلياً. -
تجفيف التمويل الغربي وإلغاء الـ USAID:
تتجه إدارة ترامب الجديدة نحو تبني سياسات مالية خارجية تقشفية تشمل تقليص أو إلغاء تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وهي الوكالة التي كانت تشكل الرافد المالي الأساسي للعديد من المشاريع التنموية والبلدية ومؤسسات المجتمع المدني في كسروان. هذا الإلغاء يؤدي عملياً إلى تجفيف منابع الدعم المالي غير المباشر ويحرم القوى المحلية من استخدام هذه المشاريع كأدوات استقطاب انتخابي أو شعبي، مما يضاعف من وطأة الحصار المالي. -
تحرر الدول العربية من “فروض الليبرالية الاقتصادية الغربية”:
على الجانب الآخر، تشهد المنطقة العربية تحولاً نحو صياغة نماذج اقتصادية سيادية ومستقلة، متحررة من الإملاءات والفروض التقليدية لليبرالية الاقتصادية الغربية. هذا التحرر يتيح لهذه الدول بناء شراكات واستثمارات تعتمد على الجدوى الإنتاجية والاستقرار الإقليمي، بعيداً عن الشروط والأجندات الغربية، مما يجعل دعم نماذج اقتصادية منتجة ومستقلة خياراً مفضلاً ومحمياً بأطر اقتصادية عربية جديدة بعيدة عن التجاذبات الدولية التقليدية. -
استنزاف وإفراغ السيولة النقدية (الكاش):
نتيجة الحظر المصرفي الدولي والمحلي، تجد الشخصيات الخاضعة للعقوبات نفسها مدفوعة قسراً نحو “اقتصاد الكاش” (المعاملات النقدية الورقية). ورغم أن الكاش يوفر مرونة مؤقتة، إلا أنه يؤدي على المدى المتوسط والطويل إلى استنزاف وإفراغ هذه الثروات السائلة؛ نظراً لغياب أدوات الاستثمار الآمنة، وارتفاع تكلفة العمليات النقدية، وصعوبة تحويل وتخزين كميات ضخمة من العملات الورقية، مما يضعف في النهاية الملاءة المالية لهذه القوى السياسية ويقوض قدرتها على تمويل شبكات خدماتها الشعبية.
رابعاً: تشابك الملفات المالية وتفكك المنظومة الاقتصادية للتيار
لا تقتصر أزمة التيار في كسروان على الجوانب السياسية العامة، بل تمتد لتطال البنية المالية والتنظيمية وإدارة العلاقات الحساسة مع الجهات الخارجية:
-
إشكالات التمويل وإحكام العقوبات الأميركية: تشير كواليس السياسة الكسروانية والتقارير المحلية إلى وجود توترات حادة مرتبطة بطريقة إدارة الدائرة المحيطة بمسؤول التيار في كسروان روي الهوا (لا سيما زوجته) للملفات المالية وتدفقات التمويل المشوبة بشبهات الفساد والتوظيف العائلي. وتذهب هذه التقارير إلى أن طريقة التعاطي مع الجانب الأميركي ومحاولة التلاعب بملفات الدعم والتمويل أدت إلى نتائج عكسية؛ حيث أسهمت في تشديد طوق العقوبات، وكشفت عن إشكالات مالية وإدارية طالت قنوات الاتصال داخل بعض الدوائر الدبلوماسية (مثل السفارة الأميركية التي اتخذت إجراءات صارمة بترحيل وإنهاء خدمات شبكات وشخصيات اعتُبرت متورطة في هذا الملف)، مع إضافة اسمين جديدين إلى لوائح الفساد والعقوبات.
-
تفكك الشبكات الاقتصادية السابقة (سلامة وسعود): يتزامن هذا التراجع المالي والمنظماتي الحالي مع تآكل وتفكك الشبكة الاقتصادية والسياسية التي تركها منسقو التيار وكوادره السابقون في القضاء، والذين كان يتقدمهم المنسق الأسبق جيلبر سلامة والكاتب السياسي والإعلامي غسان سعود. هذا التفكك سيترك فراغاً كبيراً في البنية التمويلية والخدماتية للتيار، وسيعمّق من حالة الضعف والارتباك المالي للقيادة الحالية برئاسة روي الهوا.
-
الخيار الحتمي بين الامتثال أو العزلة: يضع هذا التفكك المالي والمنظماتي شبكتي باسيل وفرنجية، وكل من يدور في فلكهما أو يقع في المساحة المشتركة بينهما، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الامتثال للضوابط الدولية والانخراط في شبكة الأمان المالي والإنتاجي التي تتيحها الأسواق العربية (لا سيما من خلال الاندماج في سوق التداول والاستثمار السعودي كنموذج للاستقرار)، وإما مواجهة خطر التدحرج تحت مقصلة العقوبات والعزلة المالية الكاملة.
خامساً: الانقسامات المحلية والعبء التاريخي للقيادة الحزبية
تتعمق أزمة التيار في كسروان عند الانتقال من الكليّ الجيوسياسي إلى التفصيلي والمحلي؛ حيث تبرز صراعات أجنحة وحساسيات شخصية وتاريخية تجعل الإدارة الحزبية شديدة التشنج:
-
صراع روي الهوا ونعمة افرام: يخوض روي الهوا مواجهة مستمرة وحادة مع مشروع نعمة افرام، وهو صراع يتجاوز التنافس السياسي إلى الخصومة الشخصية والمنافسة على النفوذ المحلي، مما يحد من مرونة الحركة السياسية للتيار.
-
شبكة فادي فياض وربيع الشاعر: يبرز في المشهد الكسرواني العضو البلدي فادي فياض، الصديق المقرب من الناشط السياسي ربيع الشاعر (الذي ينشط في مساحات المجتمع المدني والإصلاحي). وتضفي شبكة العلاقات هذه طابعاً إشكالياً على خيارات التيار المحلية وتوجهاته الانتخابية والبلدية.
-
الإرث البعثي العراقي وإشكالية زوجة فياض: يزداد المشهد تعقيداً بالعودة إلى الإرث التاريخي والسياسي لبعض الكوادر؛ حيث تواجه زوجة فادي فياض إشكالات سياسية وتاريخية ممتدة تعود إلى أيام نشاطها الطلابي، كونها كانت لصيقة بالخيارات السياسية لـ إلياس خليل، أحد أبرز داعمي نظام صدام حسين والسياسات البعثية العراقية التي موّلت العماد ميشال عون إبان الحرب الأهلية في حروبه (مثل حرب التحرير ضد الجيش السوري عام 1989).
-
استحالة اتخاذ الإمام شمس الدين “شماعة خلاص”: هذا التناقض الأيديولوجي الفاقع يمنع قيادة التيار الحالية وكوادره في كسروان من استخدام فكر وإرث الإمام محمد مهدي شمس الدين كـ “شماعة خلاص” أو مخرج سياسي لتبرير تحالفاتهم الحالية مع المحور الشيعي (حزب الله وإيران). فالنظام البعثي العراقي السابق بقيادة صدام حسين كان الخصم التاريخي والدموي للحوزة الدينية والمحيط الفكري والسياسي للإمام شمس الدين. وبالتالي، فإن محاولة اللجوء إلى فكر شمس الدين التعدلي والوطني للتعامل مع ملف الأقليات المسيحية تسقط أمام العبء التاريخي والسياسي لهذه القيادات المحلية المرتبطة بذاكرة التمويل البعثي والخيارات العسكرية السابقة، مما يظهر الخطاب الحزبي للتيار بمظهر المتناقض فكرياً وتاريخياً.
سادساً: معضلة الجيل الصاعد والمجتمع الأكاديمي في كسروان
يمثل قضاء كسروان مركزاً رئيساً للمؤسسات التعليمية والجامعية والطبقات الوسطى والأكاديمية. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، يبحث الطلاب والشباب والخريجون الجدد عن “مساحات آمنة” تضمن لهم فرص العمل، التطور المهني، والقدرة على السفر أو التعامل مع المؤسسات الدولية دون عوائق سياسية أو قانونية.
في هذا السياق، تواجه إدارة التيار صعوبة بالغة في تقديم تطمينات عملية لهؤلاء الشباب بأن الانتماء الحزبي لن يشكل عائقاً أمام مستقبلهم المهني أو الأكاديمي. فالانخراط في تنظيم سياسي يواجه قادته وحلفاؤه عقوبات دولية، ويعيش قطيعة مع المنظومة الغربية، يثير مخاوف حقيقية لدى الفئات الشابة من احتمال تأثر طموحاتهم سلباً، مما يصعّب عملية استقطابهم أو الحفاظ على حضور التيار في الأوساط الطالبية والأكاديمية الكسروانية التي تتطلع إلى الغرب والخليج كأفق اقتصادي وحيد، لا سيما مع تجفيف تمويل المشاريع الأهلية التي كانت توفر متنفساً مالياً جزئياً لهؤلاء الشباب.
سابعاً: بديل “العائلات الروحية والسياسية” ورجال الأعمال
في المقابل، تبرز في كسروان خصوصية اجتماعية وسياسية تتمثل في حضور “العائلات التقليدية” والمتحالفة مع رجال الأعمال ومتمولين بارزين. وتتميز هذه القوى بنقاط قوة واضحة في اللحظة الراهنة:
-
الخلو من العقوبات والغطاء الاقتصادي الإقليمي:
لا تواجه هذه الشخصيات أو العائلات أي قيود دولية أو عقوبات، مما يمنحها حرية حركة واسعة داخلياً وخارجياً، ويجعلها تبدو كـ “ملاذ آمن” لمن يرغب في العمل السياسي أو العام دون تحمل تبعات العقوبات وضغوطها.
ويتجسد هذا الواقع بشكل بارز في نموذج النائب ورجل الأعمال نعمة افرام، الذي يقدم خياراً يجمع بين الإرث العائلي والقدرة المؤسساتية العابرة للحدود. وما يعزز هذا الحضور هو السعي والتوجه لدمج منظومة أعماله ومجموعته الصناعية في سوق التداول والاستثمار بالمملكة العربية السعودية ضمن رؤيتها الاقتصادية الجديدة والمتحررة من الشروط التقليدية. هذا الترابط الاقتصادي مع الخليج، وتحديداً مع الرياض، يمنح حالته السياسية غطاءً إقليمياً متيناً وقدرة مالية وتشغيلية مستدامة، مما يجعل منظومته قادرة على استقطاب فئات واسعة من الشباب والأكاديميين الباحثين عن الأمان المهني والفرص العابرة للأزمات المحلية، بعيداً عن المحاور السياسية المأزومة بالعقوبات والانسداد الدبلوماسي وتآكل ثرواتها النقدية والتناقضات الأيديولوجية لكوادرها.
-
القدرة على تأمين شبكات الأمان:
يمتلك رجال الأعمال والمؤسسات العائلية القدرة على توفير فرص عمل ومساعدات اجتماعية واقتصادية مباشرة ومستدامة، وهي خدمات باتت أساسية لاستمرار المجتمع المحلي في ظل تراجع دور مؤسسات الدولة. -
الخطاب المعتدل والواقعي:
تقدم هذه القوى نفسها كصلة وصل بين مختلف الأطراف، وتطرح خطاباً يركز على الإنماء والاستقرار المحلي بعيداً عن الصراعات الكبرى، مما يستهوي فئات واسعة تبحث عن الاستقرار والأمن الاقتصادي والاجتماعي.