كيف نقل المسيح، مفهوم “الزنى” … من مناوشة على الدجاج والبقر الى نكس عهد انساني لا يؤدي للقتل!

إذا عدنا بآلة الزمن إلى عصر “رجل الكهف”، فلن نجد ذلك المشهد الكلاسيكي لزوج غاضب يجر زوجته من شعرها إلى مغارته الدافئة. الواقع الأنثروبولوجي يخبرنا بعكس ذلك تماماً؛ إذ يبدو أن الرجل القديم كان يقف حائراً في زاوية الكهف، بينما تدير المرأة شؤون القبيلة بكفاءة مطلقة. في تلك العصور البدائية، لم تكن هناك وثائق زواج، ولا دبل فضية، ولا حتى فكرة “الأسرة النواتية” المستقرة. كانت الحياة تسير وفق نمط “المشاعية الجنسية” أو الزواج الجماعي، وهو نظام رائع للجميع باستثناء علماء الأنساب؛ إذ كان من المستحيل بيولوجياً معرفة من هو والد الطفل. وفي ظل هذا الغياب التام لـ “الثنائية” (أي ارتباط رجل بامرأة في وحدة مغلقة)، لم يكن لمفهوم “الزنى” أي وجود أو معنى؛ فكيف يمكن أن تُتهم بالخروج من علاقة ثنائية لم تخترعها البشرية بعد؟ كان الجميع ينتمون للجميع، وكان مصطلح “الخيانة” في ذلك الوقت يبدو بلا معنى تماماً مثل فكرة البحث عن شبكة “واي فاي” في العصر الحجري.

هذه المعضلة البيولوجية منحت المرأة قوة خارقة لم تكن بحاجة معها إلى نقابات نسوية؛ فقد كانت هي الركيزة الوحيدة المؤكدة للنسب والقرابة. فالطفل ينسب لأمه، ويرث عنها، وينتمي لعشيرتها، بينما كان الرجل مجرد عنصر عابر يشارك في الصيد وفي عملية الإخصاب دون أي التزامات عائلية لاحقة. هذا الوضع أسس لنظام “حق الأم” لباخوفن، حيث تم تقديس الأم كرمز للإخصاب الكوني. ولكن مع تطور المجتمعات، بدأت تظهر “العائلة الثنائية” كشكل انتقالي خجول داخل هذا النظام الأمومي المشاعي. وهنا، بدأت البشرية تختبر فكرة “الثنائية المؤقتة” لأول مرة؛ حيث يعيش الرجل مع امرأة رئيسية لفترة تطول أو تقصر، لكن دون أن يفقد الطرفان حريتهما الاقتصادية أو الجنسية السابقة. في هذه المرحلة الانتقالية، لم يكن الزنى خطيئة كبرى أو جريمة تستوجب الإعدام، بل كان يُنظر إليه كنوع من الإخلال باتفاق المساكنة الودي، يشبه إلى حد كبير تخلف شريك السكن اليوم عن تنظيف المطبخ في دوره؛ فإذا لم يعجب الطرفين هذا السلوك، كانا ينهيان “الثنائية” ببساطة ودون دراما قانونية، لتعود المرأة إلى عشيرتها محتفظة بأوانيها الفخارية وأطفالها.

لكن هذا النموذج المرن للثنائية لم يدم طويلاً؛ إذ تشير الدراسات الأنثروبولوجية الحيوية إلى أن التحول نحو ثنائية اجتماعية مستقرة فرضته عوامل تطورية حاسمة. لو نظرنا إلى أحفوريات فصيلة “أردي” التي عاشت قبل حوالي 4.4 مليون سنة، سنلاحظ تراجعاً كبيراً في حجم أنياب الذكور وضآلة الفروق التشريحية بين الجنسين مقارنة بالشامبانزي. هذا التراجع في الأنياب يعطينا مؤشراً طريفاً: لقد توقف أجدادنا عن عض بعضهم البعض للفوز بالإناث، وبدأت الإناث يفضلن الذكور الأقل عدوانية والأكثر قدرة على جلب الثمار وتقديم الرعاية، وهو ما أسس لنشوء “رابطة الشريكين” كآلية لحماية الرضع من القتل على يد ذكور منافسين يسعون لتسريع خصوبة الأم.

غير أن هذا التقارب الثنائي الاجتماعي كان بحاجة إلى صدمة كبرى ليتحول إلى “ثنائية جنسية صارمة ومغلقة”، وهنا لعبت الأمراض المنقولة جنسياً دور شرطي المرور الأخلاقي الأول في التاريخ. ففي عصر الصيد والترحال، كانت المجموعات البشرية صغيرة الحجم وتتنقل باستمرار، مما جعل الأوبئة الجنسية تندثر بسرعة لعدم استقرار المجموعات. ولكن مع اكتشاف الزراعة والاستقرار في قرى مزدحمة، تحولت التعددية الجنسية إلى كارثة وبائية مهددة بالإنهاء الديموغرافي للمجتمعات جراء العقم والوفيات. ولأن المضادات الحيوية لم تكن متوفرة في صيدليات العصور القديمة، وجد البشر أن الحل الوحيد للبقاء هو حصر الممارسة الجنسية داخل “ثنائية مغلقة” كآلية وقائية فرضتها الطبيعة بقسوة.

تزامن هذا المنعطف الوبائي مع منعطف اقتصادي غيّر مجرى التاريخ: ظهور الملكية الخاصة للأرض والماشية والمحراث. مع تراكم الثروات لدى الرجال الذين أداروا العمل الحقلي، برز سؤال ملح ومقلق: لمن ستؤول هذه الأرض والماشية بعد الوفاة؟ وهنا تحديداً، ولد مفهوم “الزنى” بمعناه القانوني والاقتصادي المرعب؛ فلكي يضمن الرجل انتقال ثروته لنسله البيولوجي، كان لا بد من قفل “الثنائية الزوجية” بالمفتاح، ولكن من طرف واحد فقط. هُزم “حق الأم” تاريخياً، وتأسست “الثنائية غير المتكافئة”، حيث فُرِض على المرأة حصار جنسي صارم لضمان نقاء الأنساب، وتحول الزنى من مجرد سوء تفاهم اجتماعي إلى عملية “سرقة موصوفة للملكية الخاصة” واعتداء مباشر على جينات الورثة.

هذا المفهوم الاقتصادي للزنى تبلور بوضوح في تشريعات الحضارات القديمة التي صاغت قوانينها لحماية هذه الثنائية غير المتكافئة. في بلاد الرافدين، وتحت ظلال شريعة حمورابي، كان الزواج عقداً مدنياً تجارياً صارماً، وبموجبه صُنّف الزنى كأكبر خرق لهذا العقد؛ فإذا ضُبطت الزوجة متلبسة بالخيانة، كان الحكم هو ربطها مع عشيقها وإلقائهما معاً في النهر غرقاً، في عقوبة تهدف لتطهير المجتمع من مفسدي الصفقات الجينية، ما لم يقرر الزوج “المالك” العفو عنها. وفي المقابل، قدمت مصر القديمة نموذجاً أكثر توازناً للثنائية؛ إذ كان الزواج شراكة مدنية قائمة على التراضي التام، وعُرّف الزنى هناك بأنه اعتداء متبادل على حرمة البيت المشترك، حيث يُدان الرجل والمرأة على حد سواء إذا انتهكا هذا العهد مع طرف خارجي، في حين لم تكن العلاقات بين غير المتزوجين تشكل قلقاً للمجتمع لعدم وجود “عقد ثنائية” جرى انتهاكه أصلاً. أما في الإمبراطورية الرومانية، فقد ساد نظام الزواج الأحادي الصارم كواجب وطني لزيادة المواليد الأحرار، ولذلك سن الإمبراطور أغسطس قوانين تجعل الطلاق إلزامياً في حال ثبت زنى الزوجة، مع نفيها ومصادرة جزء من ممتلكاتها، حمايةً لنقاء الطبقة الأرستقراطية الحاكمة.

ولكن، بينما كانت القوانين القديمة تعالج الزنى بوصفه اعتداءً مادياً أو خرقاً لعقد مالي، جاء صعود الأديان التوحيدية لينقل مفهوم الثنائية والزنى إلى فضاء لاهوتي وروحاني غاية في العمق والتعقيد. في المسيحية، نُقلت الثنائية الزوجية من فضاء القانون المدني لتصبح سراً كنسياً مقدساً يدمج الزوجين في “جسد واحد” لا يقدر إنسان على تفريقه. ومع هذا الاندماج الروحي، أخذ مفهوم الزنى بعداً جسدياً ونفسياً صارماً للغاية؛ إذ لم يعد يقتصر على الفعل المادي، بل أعلن السيد المسيح أن مجرد “النظر بشهوة” يمثل زنى في القلب، وهو ما جعل الخيانة تبدأ من الوجدان قبل الفراش. وبما أن الكنيسة منعت الطلاق، فقد اعتبرت لاهوتياً أن إقدام أي من المطلقين على الزواج مجدداً يمثل وقوعاً في حالة “زنى مستمر”، لأن الثنائية الأولى المدمجة بالروح القدس لا تنحل إلا بالموت؛ مما جعل الثنائية قفصاً لاهوتياً أبدياً لا مخرج منه.

وفي السياق الإسلامي، تبلور مفهوم الثنائية كـ “ميثاق غليظ” وشراكة إنسانية تقوم على السكن والمودة والرحمة، وصُنّف الزنى كأحد أكبر الكبائر والجرائم الأخلاقية التي تهدد هذا الميثاق والكيان الأسري بأكمله. ولتأصيل هذه الثنائية وحمايتها، ألغى الإسلام كافة أشكال العلاقات الجنسية والفوضى التشريعية التي كانت شائعة في الجاهلية وتعرّض النساء لضغوط بالغة؛ فأنهى ممارسة “الظهار” الجاهلية بفرض كفارات مغلظة تمنع تعليق الزوجة، وحدد “الإيلاء” بأربعة أشهر، وحصر الطلاق في ثلاث طلقات لإنهاء لعبة المراجعة اللانهائية. وبموجب هذا الضبط الأخلاقي والتشريعي، تأسس الزنى كاعتداء مباشر على عفة الفرد ونقاء النسب داخل الثنائية الشرعية، مع فتح قنوات واضحة ومنصفة لإنهاء هذه الثنائية بالتراضي عبر “الخلع” أو القضاء في حال استحالة العشرة بالمعروف.

يكشف لنا هذا المسار الطويل لتبلور مفهوم الزنى بالتوازي مع تطور الثنائية، أن ما نعتبره اليوم خيانة عاطفية وجسدية بدأ كمسألة حسابية لحماية الماشية والأراضي، ثم مر بمرحلة الاحتراز الوبائي من العدوى الفتاكة، قبل أن يرتقي ليكون رابطاً روحياً محاطاً بضمانات لاهوتية وتشريعية تحمي كرامة الإنسان وتوازن المجتمع. ومع تحول الثنائية في العصر الحديث إلى ملاذ عاطفي ونفسي يبحث فيه الفرد عن الدفء والاستقرار، لم يعد الزنى مجرد مشكلة تتعلق بنقاء الجينات أو خرق التشريعات، بل أصبح جرحاً نفسياً عميقاً يمزق العهد الإنساني الأكثر حميمية؛ مما يؤكد أن الثنائية الزوجية والضوابط الأخلاقية التي تحميها تظل دائماً مرآة تعكس نضج البشرية ومحاولاتها المستمرة لتنظيم عواطفها وغرائزها في سبيل بقائها الحضاري.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …