لصوص الضوء: عندما تتحول الغيرة إلى حصار اجتماعي ومهني

 يقال، أنه إذا أردت أن تعرف وزنك الحقيقي في قلوب البعض، فلا تلتفت إليهم وأنت تتعثر، بل راقب وجوههم في اللحظة التي تنجح فيها، كتب صديقي الغالي خالد صالح، ففي تلك اللحظة الحاسمة، تتبدل الملامح وتنكشف النفوس عن فئة يصفها بـ “لصوص الضوء”؛ هؤلاء الذين تقاسمهم تفاصيل الحياة والعمل، والذين يجلسون على الطاولة ذاتها، يفاجئونك بأن أيديهم لا تمتد للمباركة أو الدعم، بل لتتشبث بخطواتك وتحاول جرك إلى الخلف، وكأن تفوقك يمثل خصماً مباشراً من رصيدهم الذاتي، أو كأن صعودك يعري قلة حيلتهم أمام أنفسهم. تعاملت كثيرا مع هؤلاء النماذج، لذا اخفيت عملي مع تركي ال الشيخ كثيرا، حتى لحظة ضعف ضخمة، اضطررنا الى الكشف عن ذلك، يومها. قلت له، علينا تطوير الاعمال لتصبح فيها طابع تجاري. فباع كتاب عملنا عليه سويا بـ دولار. فصداقتنا غير تجارية. فنية . رسمت معه طريق توسع السعودية والامارات. التي أيضا علاقتي بها قديمة جدا، منذ بداياتي الأولى. الأولى جدا. أصدرت بينات مراراً، استنكار، ان هناك من يستعمل اسمي. ليزعجني ويزج معارفي، بهذا الامر. امس فسر الان بوير، كيف ان بعض الشبكات تبني علاقاتها، المادية باي شكل من التشبيك. اعزائي، التعامل معي، بالضغط لا ينفع. الضرب، لم ينفع عندما وقعت عقد اللبنانية للارسال. ولا الجرصة أينما كان. خصوصا ان القانون، كل القانون اكان اسريا او مدنيا، يعاقب، والتعقب حتى لو كان في عمق قصر العدل. لن يخفي خصال الجريمة: ان وقعت. فهمنا؟ اذا من حصد على عمل او فرصة من غبائي وطيبة قلبي: اعرف الان. انني فهمت ماذا تفعل!

ووفق خالد صالح، فإن هذه ليست مجرد غيرة عابرة يمكن تجاوزها بسهولة، بل هي مشكلة اجتماعية نعيشها يومياً في قرانا، ومكاتبنا، وبيوتنا، وحتى في علاقاتنا الشخصية المقربة؛ فالبعض لا يزعجه أن تكون ناجحاً، بل إن ما يزعجه حقاً هو أن تكون أكثر نجاحاً منه، أو أن تصنع لنفسك مكاناً لم يستطع هو الوصول إليه.

ويتعدى هذا الحصار الجانب النفسي ليتخذ أشكالاً عملية وتكتيكية في بيئة العمل والعلاقات اليومية؛ حيث يبدأ هؤلاء في النظر إلى شبكة علاقاتك ومصداقيتك المهنية كغنيمة سهلة. وبدلاً من بناء علاقاتهم الخاصة، يسارعون للتواصل مع كل من يرتبط بك من شركاء أو مستثمرين، محاولين استغلال هذه القنوات لحسابهم الخاص. والأكثر غزارة في هذا السلوك هو تولد شعور واهم لديهم بأن هذا التطفل يمنحهم حقاً مكتسباً للبقاء في طريقك كعقبة، محاولين توجيه خياراتك، والتصرف وكأن عقل الناجح ملك لهم، أو أن قراراته وفلسفته المهنية يجب أن تمرا عبر تصفيتهم وموافقتهم.

هذا السلوك الرغبي في السيطرة لا يقف عند حدود الصفقات أو المشاريع المهنية، بل يمتد ليتدخل في أدق تفاصيل الحياة الشخصية والطموحات الذاتية. فتراهم يقفون حجر عثرة أمام خياراتك المصيرية، مثل طموحاتك العلمية، أو استقرارك المعيشي، وحتى قراراتك المصيرية كالزواج وبناء الأسرة. إن كل خطوة تخطوها نحو الأمام لبناء حياة مستقلة ومستقرة تمثل بالنسبة لهم تهديداً بكسر التوازن التقليدي الذي يريحهم، ولذلك يسعون جاهدين لإبقائك في مساحة رمادية تمنعك من الاستقلالية والتميز الفردي.

وفي سياق العمل الجماعي والمؤسسي، يتجلى هذا النمط الانتهازي بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ ينقض هؤلاء على أي إنجاز، مهما كان بسيطاً، ليتقاسموا الضوء والاحتفاء، ويحرصون على تصدر منصات التكريم ونسب الفضل لأنفسهم. ولكن، بمجرد أن تواجه المجموعة تحدياً، أو تقع في تعثر، أو يسود الحزن والضغط بسبب إخفاق مؤقت، تجدهم أول المنسحبين والمتبرئين من المسؤولية، تاركين غيرهم يتحمل لوحده عبء الحزن والتبعات النفسية والعملية. إنهم يبحثون دائماً عن شراكة في المغانم والاحتفالات، بينما يتلاشون تماماً وقت المغارم والشدائد.

ويلفت خالد صالح الانتباه إلى مفارقة غريبة في هذا السلوك، وهي أن هؤلاء يبذلون في محاربة الناجحين جهداً يعادل ضعف الجهد المطلوب لكي ينجحوا هم أنفسهم؛ حيث يتفننون في اختلاق العيوب، ورصد الهفوات، والتقليل من شأن كل خطوة تخطوها، وكأن لسان حالهم يقول: لا تبتعد كثيراً ودعنا نتساوى في الخلف.

وهنا يقرر خالد صالح حقيقة جوهرية يكتشفها المرء متأخراً، وهي أن محاولات الجر المستمرة إلى الأسفل لا تعني سوى شيء واحد، وهو أنك أصبحت في الأعلى فعلاً، وهم يدركون ذلك جيداً قبل أن تدركه أنت؛ فالظل يضيق بأصحابه والقمة لا تتسع للمترددين، ومن يعتد السير وراء الآخرين سيؤلمه جداً رؤية شخص يسبقه بخطوة.

ومواجهة محاولات الحصار هذه لا تقتضي الدخول في معارك جانبية تستنزف الوقت والجهد، بل تتطلب وعياً تاماً، ورسم حدود صارمة تحمي المساحة الشخصية والمهنية، والتركيز الكامل على مواصلة الصعود والتميز دون الالتفات إلى الخلف.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …