تقرير إعادة الهيكلة البيولوجية: بين الكواليس الأبوية وعيادات النميمة النفسية

لقرون طويلة، أُديرت البنية الأسرية التقليدية بموجب نموذج اقتصادي صارم أشبه بـ “الشركات العائلية المغلقة”. وهي حقيقة تتجلّى بوضوح يثير الغضب والضحك معاً في كواليس مجتمعاتنا؛ حيث يعترف النموذج الأبوي الغابر علناً، وبكل أريحية ومجانية، بما يريب ويصدم!

في ذلك النظام الكلاسيكي، حظي “قسم التكاثر والإنتاج” بكافة الصلاحيات والميزانيات التشغيلية للجسد الأنثوي، بينما تم تهميش “قسم اللذة والاستمتاع” باعتباره قسماً فرعياً غير منتج ومثيراً للشبهات، لا يُسمح له بالعمل إلا بموجب تصريح رسمي مختوم بعبارة: “مخصص لإنجاب الورثة وحراس الإمبراطورية”. لقد فرضت الطبيعة، مدعومة بالتقاليد، ضريبة بيولوجية باهظة تمثلت في جعل “الحمل” عقد عمل مجحفاً، يفرض نوبة عمل متواصلة لعدة أشهر دون عطلات، مقابل مكافأة معنوية جافة تُدعى “الرضا المجتمعي”.

لكن الثورة الحقوقية والفلسفية الحديثة أحدثت ما يشبه “الحراك النقابي” لإعادة هيكلة هذه الشركة بالكامل. وجاء الإعلان التاريخي بـ “فك الارتباط” بين المتعة والإنتاج؛ حيث أُعيد تصنيف “اللذة” كـ “أرباح أسهم مستقلة” (Dividends) يحق للمرأة صرفها دون الاضطرار لتقديم “منتج نهائي” (طفل). وهنا برزت وسائل منع الحمل، ولا سيما الطارئة منها، كـ “أدوات تكنولوجية وحقوقية” تعمل بمثابة “جدار حماية” (Firewall) بيولوجي، يتيح استهلاك اللذة دون الخوف من ظهور لوحة النظام المفاجئة: “عليكِ الآن تحمل مسؤولية طفل رغماً عنكِ”.

وأذكر جيداً المرة الأولى التي داهمني فيها الرعب الحقيقي من هذه “الصفقة البيولوجية الإلزامية”؛ لم يكن خوفاً فلسفياً مجرداً، بل كان ذعراً داهماً من أن أُجبر على الارتباط برجل لمجرد ترتيب أمني وسياسي. ففي كواليس السياسة اللبنانية، حيث كانت بعض الأحزاب تسعى لإقفال ملفات أمنية معقدة مرتبطة باللواء الراحل وسام الحسن قبل اغتياله، وُضعتُ فجأة في الواجهة كجزء من تصفية الحسابات. وتحت وطأة هذا الرعب الوجودي، تجمدت عاطفتي بالكامل، وأضعتُ مشاعري مع رجل مسالم كان كل ذنبه أنه يريد ببساطة تأسيس عائلة معي، في بلد لا شيء فيه يسير بسلام.

غير أن هذه “الخصخصة التامة” للجسد كشفت في النهاية عن حقيقة إنتاجية باردة: اللذة لا تنجب أطفالاً إن كان الهدف طفلاً. فإذا تحول الإنجاب إلى “مشروع هادف” ومخطط له، فإنه يخرج تماماً من سياق العفوية وقسم الترفيه؛ ليصبح عملية تكنوقراطية جافة، تُدار في المختبرات وعبر جداول البيانات الطبية والخطط المالية، حيث تغدو اللذة البيولوجية مجرد تفصيل عابر، بل وفائض عن الحاجة، لا يضمن جودة المنتج ولا يساهم في إنجاح الصفقة.

هذا التفكيك الشامل لخطوط الإنتاج البيولوجية لم يقف عند حدود تحرير الجسد، بل امتد ليعيد صياغة العلاقة مع “المنتج” نفسه حين يقرر مجلس الإدارة إنجابه.

في مكاتب “المفكرة القانونية”، وقبل أن تضرب لوثة الانفصام الهيكلي أروقة الفكر الحقوقي، جلستُ ذات يوم مع نزار صاغية. كان فنجان القهوة كالعادة قد برد وسط ركام الملفات المسودة لتشريح قوانين الأحوال الشخصية. كان نزار يتحدث بحماسه المعهود، مستخدماً قلمه لتفكيك مفهوم “السلطة الأبوية”، مستبدلاً إياها بمفهوم أكثر حداثة وإنسانية: “النمو الإنساني للطفل”.

قال نزار وهو يلوّح بأوراقه: “الأبوة الحقيقية ليست صك ملكية، بل هي التزام قانوني وأخلاقي بتوفير شروط النشوء المستقل. الأب الحقيقي هو من يمهد للطفل طريق الانفصال عنه ليكون ذاتاً قائمة بحد ذاتها”.

لكن، كيف ينمو هذا الطفل؟
هنا تصطدم النظرية بالواقع؛ فالطفل لا ينمو باللذة التي تنتهي مع سلوكياتها العابرة. اللذة التي كانت سبباً في الوجود هي حدث وميضي، شحنة بيولوجية مؤقتة تنقضي بانقضاء الفعل وسلوكياته الحميمة القصيرة. أما النمو البشري فليس ومضة، بل هو مشروع بنية تحتية طويل الأجل، يتطلب “سلوكيات” يومية شاقة، مستمرة، وجافة في كثير من الأحيان. الطفل لا يمكنه أن يتغذى أو ينمو على الآثار الرجعية للذة عابرة تلاشت في الماضي، بل يحتاج إلى انضباط وحضور وتضحية؛ وهي سلوكيات لا متعة آنية فيها.

من هذه الفجوة تحديداً، يتسلل التساؤل الشخصي المرير:
هل يا ترى يمارس عليّ كل هذه القساوة والبرود الإداري فقط “لأنمو”؟

لقد صاغ الأبوة في حياتي كعملية “فطام قسري ومستمر”، كأنه أدرك بفطرته الجافة أن اللذة التي أنجبتني عاجزة عن تربيتي، فاستبدلها بسلوكيات انضباطية قاسية بذريعة التمكين والصلابة. يمارس جفائه تحت مسمى “التربية”، ويغلف غيابه العاطفي بغلاف “التمكين الذاتي”. لكن المفارقة العجيبة أنني لم أشعر يوماً بهذا “النضج” الأسطوري الذي يدّعي أنه يؤهلني له؛ بل يتهيأ لي في كثير من الأحيان أنه هو نفسه لا يملك هذا النضج، بل يستعيره كقناع صارم ليبرر به عجزه عن تقديم الدفء الطفولي البسيط.

إنه يصر بغرابة على استقلاليتي عنه، يطالبني بـ “تقرير المصير” كأنني إقليم مستعمر يرفض الجلاء عنه، يدفعني نحو حريتي كمن يلقي بطفل في عمق البحر ليتعلم السباحة رغماً عنه.

ولكن، هنا يكمن الانفصام الحقيقي بين الشعارات المرفوعة والواقع المعاش:
إن قررتُ يوماً أن أقبل اللعبة، أن أمارس حق تقرير المصير هذا بالكامل، وأن أترك كل ذكرياتي معه وراء ظهري كأصول تالفة لا داعي لجرّها معي نحو المستقبل… يلتفت إليّ فجأة ويسألني عنها! يطالبني بتقديم “كشف حساب” عاطفي للماضي الذي أجبرني على التخلي عنه. يريدني حراً ومستقلاً عن سلطته، ويصر في الوقت ذاته أن أكون حارساً أميناً لأرشيفه العاطفي.

وقد تجلّت لي هذه المفارقة العبثية بوضوح تام خلال جلسات علاج نفسي مع معالج أقل ما يقال فيه إنه “خسيس”؛ فبدلاف من تفكيك عقدي العائلية، قرر استغلال الجلسة المدفوعة الأجر ليثرثر بفضول مريب عن تفاصيل حياة نزار صاغية الخاصة وعلاقته بامرأة، مقارناً إياي بها. قلت بنفسي نزار، “إنها تشبهني تماماً، لكنها ترتدي السراويل أكثر مني، وتحب الشعر الأسود”. هكذا تحولت العيادة النفسية إلى فرع محلي لنميمة النخبة الحقوقية!

في قانون “الأبوة الحديثة”، يبدو أنهم نجحوا في إلغاء “الملكية الجسدية” للأبناء، تماماً كما نجحوا في فصل اللذة عن التكاثر. لكنهم في المقابل، احتفظوا بـ “حقوق الملكية الفكرية” للذكريات؛ حيث يُمنح الطفل حريته بالكامل بعد أن يُفطم من لذة الطفولة ويُدفع نحو قسوة السلوكيات اليومية للنمو، ثم يُطالَب في نهاية المطاف بدفع “إيجار عاطفي” مؤجل للماضي الذي أُجبر على بنائه وحده.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …