التمويل والتمويل مجددا …. !
يواجه مشروع “معجم المصطلحات السياسية والاجتماعية” في لبنان مأزقاً منهجياً بنيوياً. فالمبادرة، رغم طابعها الأكاديمي، تعاني من خللٍ في فهم طبيعة “المفهوم”. إن الاعتقاد بأن المعنى يمكن “حبسه” في تعريفات يضعها نخبة من الأكاديميين -حتى لو استندوا إلى اقتباسات علمية أو آراء خبراء- هو اعتقادٌ لا يمت للمنهج اللساني بصلة؛ بل هو أقرب إلى الممارسة المدرسية التقليدية التي تخلط بين “التعريف القاموسي” وبين “المصطلح الإجرائي”.
الخطأ المنهجي: معجم أم “خزانة آراء”؟
إن قيام المعجم على “جمع آراء دكاترة” أو “استقراء مراجع علمية” لا يمنحه حصانة علمية لسانية. فاللسانيات لا تكتفي بجمع الآراء؛ لأن الرأي، مهما علا شأنه الأكاديمي، يظل ذاتياً. السؤال المنهجي الغائب هو: ما هي وحدة القياس (Unit of Measurement)؟
في اللسانيات الحاسوبية والعلوم المعرفية، لا نعرّف “الوطن” أو “المواطنة” عبر الاقتباسات، بل عبر تحليل “التوزيع الدلالي” (Distributional Semantics). أين هي البيانات الضخمة (Big Data)؟ وأين هي البرمجيات الإحصائية (مثل SPSS أو R) التي تُستخدم في اللسانيات الجنائية أو تحليل الخطاب السياسي لقياس “التلازم اللفظي” (Collocation)؟
بدون منهجية رقمية وإحصائية، يظل عمل المعجم مجرد “تعبير عن وجهة نظر نخبويّة”. إن غياب “وحدة القياس” يعني أن المفهوم يظل “رخواً”؛ فالدكتور “أ” يعرف الوطن بناءً على مرجعية هيغلية، والدكتور “ب” يعرفه بناءً على مرجعية سوسيولوجية، ولا توجد “أداة قياس” موضوعية للفصل بينهما.
المصطلح الإجرائي vs جوهر المفهوم
إن ما تقدمه هذه المبادرة ليس “تحديداً للمفهوم”، بل هو صياغة لـ “مصطلحات إجرائية” (Operational Terms) محدودة الغرض. والمشكلة هنا أن المبادرة “تُسوق” هذه المصطلحات على أنها “تعريفات للمفهوم”. لسانياً، هذا تضليل؛ فالمفهوم كائن حي يتغير بتغير السياق، بينما المصطلح الإجرائي هو “أداة عمل” مؤقتة. عندما تفرض المبادرة تعريفاً معيناً، فهي لا “تُعرّف” الواقع، بل “تُفصل” له قميصاً قد لا يناسبه. إنهم يحاولون هندسة عقول الناس من خلال “إعادة تعريف” كلماتهم، متجاهلين أن اللغة ليست خاضعة لقرار أكاديمي.
لماذا تفتقر المبادرة إلى المنهج اللساني؟
من منظور لساني، المبادرة “غير لسانية” للأسباب التالية:
-
غياب البُعد التداولي (Pragmatics): المعجم يتجاهل كيف يغير المتحدثون دلالات الكلمات بناءً على الموقف (مثلاً: كلمة “مقاومة” أو “سيادة” تختلف دلالتها في الضاحية عنها في الأشرفية أو طرابلس). المنهج اللساني الرصين يدرس هذا التباين، لا أن يُغلقه بتعريف واحد “موحد”.
-
التعالي على “الاستعمال” (Usage): اللساني يبني المعجم بناءً على ما يقال، لا على ما يجب أن يقال. هذه المبادرة تحاول “التقعيد” (Prescription) بدلاً من “الوصف” (Description)، وهو خطأ منهجي يقع فيه الهواة.
-
غياب النمذجة (Modeling): في الأبحاث اللسانية الرصينة، نستخدم نماذج رياضية لقياس “مدى قبول” (Acceptability) المفهوم لدى الجماعة اللغوية. هل أجرى القائمون على المعجم مسحاً لغوياً؟ هل اختبروا مدى مطابقة تعريفاتهم لوعي الجمهور؟ الجواب غالباً هو النفي، لأنهم يعتمدون على “سلطة الدكتور” بدلاً من “بيانات الجمهور”.