رسمة لبيا معوض

العقد الجنسي: سيكولوجية السلطة وعجز “السيد” الوجودي بـ عضوه ..

يُقال إن التاريخ البشري لا يُكتب بالحبر بقدر ما يُكتب بالهوس الذكوري بذلك “الصولجان اللحمي” الذي ظنَّ الرجل يوماً أنه محورُ الكون، ومفتاحُ الأبواب الموصدة، والبوصلة التي توجّه مصائر الشعوب؛ ذلك العضو الذي صُيّر في المخيال الأبوي “سلطةً مقدسة” يترتب على انتصابه سيادة، وعلى انكماشه هزيمة! إن هذا الهوس يبلغ ذروته في النموذج الفرعوني؛ حيث كان “زواج الشقيقة” أبعد من كونه علاقة جنسية، بل كان محاولةً يائسةً لـ “الانغلاق على الذات”. لقد اعتقد الفرعون أن جسد شقيقته هو “المرآة الوحيدة” التي تعكس “إلوهيته”، فصار يمارس سلطته لا بالخروج إلى “الآخر” (الذي قد يحمل اختلافاً يهدد سلطته)، بل عبر “الاستنساخ الداخلي”. لقد كان يمتزج بجسد شقيقته، محولاً “عضوه” إلى وسيلةٍ لتماهي الأجساد، وكأنه يختزل الوجود كله في خطِّ دمٍ واحدٍ لا يخرج عن سيطرته، ليصبح “العضو” هنا أداةً لحبس الحياة داخل الدائرة الملكية، بدلاً من أن يكون جسراً نحو التطور الإنساني الحر.

تستند أطروحة كارول بيتمان في كتابها “العقد الجنسي” إلى كشف هذا “المسكوت عنه” في الفلسفة السياسية الغربية؛ فهي ترى أن نشأة المجتمع المدني لم تكن قائمة على “عقدٍ اجتماعيٍّ” محايد، بل تأسست على “عقدٍ جنسيٍّ” مضمرٍ أُبرم بين الرجال لإعادة توزيع السلطة الأبوية فيما بينهم. بتجاوز إطار بيتمان، نجد أن هذه السلطة لم تكن مجرد صلاحياتٍ إدارية، بل كانت “هندسةً شاملةً للكينونة الإنسانية”؛ سلطةً امتدت لتشمل “الجسد” كملكيةٍ للانتفاع، و”الفكر” كأداة للبرمجة، و”الروح” كحيزٍ يجب ملؤه بقيم التبعية. وقد بلغ هذا التوزيع للسلطة ذروته في العصر الفيكتوري، الذي لم يكن مجرد حقبةٍ زمنية، بل “المختبر الأكبر” للعقد الجنسي؛ حيث أُضفي طابعٌ أخلاقيٌّ صارم على سلطة الرجل، مما أدى إلى قولبةِ فكر المرأة وروحها داخل حيزٍ خاصٍّ يضمن حصرية استنساخ هوية الرجل الجماعية.

في قلب هذه المنظومة الذكورية، يبرز “العجز الوجودي” كأزمةٍ كامنة؛ فالرجل الذي يعرّف وجوده عبر “السيطرة” يجد نفسه أمام حقائق الحياة والولادة كياناً “مشتقاً” لا يملك سرَّ الخلق. هنا، يتحول العضو الذكري من أداةٍ بيولوجية إلى “صولجانٍ رمزيّ” هو عملة السلطة الوحيدة في هذا الاقتصاد الذكوري؛ حيث يسعى الرجل لفرض “ولادةٍ سياسية” تعوضه عن عجزه البيولوجي عبر استنساخ ذاته. إن تحويل “العضو الذكري” إلى بديلٍ للسلاح –كأداةٍ للإخضاع- يكشف عن جوهر الأزمة؛ فالرجل الذي يعجز عن أن يكون “خالقاً” بالمعنى الإنساني الروحي، يحاول “احتلال” الجسد الأنثوي، معتقداً أن الهيمنة الجنسية هي الفعل التأسيسي الوحيد الذي يمنح وجوده معنىً.

ومع ذلك، تبرز إمكانية “الإنجاب العقلي” كحالةٍ من التحرر الجذري؛ فعندما يتحرر العقل من السرديات الخارجية (الأيديولوجيا، التقاليد، والذكورة الموروثة) ويستند إلى “خبراتٍ وتجارب إنسانية حيّة”، تبدأ منظومة “الأنا” القائمة على حجم العضو أو فعله السلطوي في التهاوي. في هذه الحالة، يتحول الفرد من “مستنسِخ” لأوهام السلطة إلى “خالقٍ” لأفكاره وتجاربه. الإنجاب العقلي –المتمثل في خلق المعاني، والقيم، والأعمال الإبداعية– يصبح هو الأداة الحقيقية للبقاء. إن هذا التحول في جوهر “القدرة” يكسر هيبة العضو الذكري؛ إذ يدرك الرجل أن “الفحولة الحقيقية” لا تكمن في القدرة على الاختراق أو الإخضاع الجسدي، بل في القدرة على توليد “المعنى” واستقبال “الآخر” كشريكٍ وجودي.

وعندما يواجه هذا الرجل “الفوضى الأنثوية” -بمعناها الوجودي كطاقةٍ حرة ومتمردة- فإنه لا يواجه مجرد طرفٍ آخر، بل يواجه حقيقة أن جسد المرأة ليس “وعاءً” لأوهامه، بل هو بؤرةٌ لـ “فوضى الحواس” التي لا تُروض. في رواية “فوضى الحواس” لأحلام مستغانمي، تتجلى هذه الفوضى كفعلِ تحررٍ من “النص الذكوري”؛ حيث تحاول البطلة الهروب من “الوعاء الفكري” الذي صممه لها زوجها الضابط، لتبحث عن ذاتها في “رجلٍ وهمي” يكتبها ويكتبها هو، لكنها في لحظات صدقها تكتشف أن هذا الرجل الآخر ليس سوى مرآةٍ لعجزِ الرجل الأول، وأن كلاهما –ببطولتهما الوهمية وغموضهما- ليسا سوى وجهين لعملةِ السلطة الذكورية التي تفتقر إلى جوهر الحياة.

إن لحظة “فقدان السلطة” أو “تحجيم العضو” هنا ليست مجرد رد فعل بيولوجي، بل هي ترجمةٌ لـ “الخصاء الرمزي” الذي يحدث عندما يدرك الرجل أن سلطته المستمدة من إخضاع الآخر قد تحطمت. الرجل الذي يربط وجوده بالسيطرة يكتشف حينها أن صولجان سلطته لم يكن سوى وهمٍ هش، وأن هويته التي بناها على أنقاض حرية المرأة لم تكن سوى سجنٍ لروحه. إن تحرر المرأة في هذا السياق ليس تحريراً لها من الرجل فحسب، بل هو تحريرٌ للرجل نفسه من عبودية “السيد”؛ فالرجل الذي يستبدل “الاستنساخ” بـ “الإبداع العقلي”، ويستبدل “سلطة العضو” بـ “سلطة المعنى”، هو الرجل الذي بدأ رحلة خروجه من قفص العقد الجنسي.

في النهاية، يدرك هذا الرجل أن القوة الحقيقية لا تكمن في توريث “الهوية المستنسخة” أو في امتلاك أجساد الآخرين لتعويض الفراغ الوجودي، بل في القدرة على الولادة الجديدة –ولادة الوعي المستقل– التي تجعل من الجسد والروح جسراً للتواصل لا ساحةً للغزو. وعندما تتحرر الإرادة من “سرديات السلطة”، يكتشف الرجل والمرأة معاً أن الإنسانية ليست في “امتلاك الحياة”، بل في ترك بعضنا بعضاً نولد من جديد في فضاءٍ لا يعرف السيطرة، بل يعرف فقط كيف نكون أحراراً في عالمٍ لا تملؤه الأصداء، بل تملؤه الأفكار التي نبتكرها معاً، خارج قيد الجسد وخارج زيف “السيد”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …