نزار ،  هل تحولت الى ببغاء جنسية؟ 

يبدو أن الطبيعة قد ضاقت ذرعاً بالرجال، فقررت في لحظةٍ من السخرية الكونية أن تجري تعديلاً طفيفاً على قوانين الفيزياء: في صباحٍ مسكونٍ بالخيبة، استيقظ العالم ليكتشف أن كل الأسلحة –من المدافع العملاقة إلى المسدسات– قد تحولت إلى أعضاء ذكرية! لكن الصدمة الكبرى كانت في تحول الرجال أنفسهم إلى مجرد “أعضاء” تجوب الشوارع، بلا رؤوسٍ تفكر، وبلا قلوبٍ تشعر.

لقد كان الرجل يعيش قبل هذه اللحظة في وهمٍ صاغه بكلماتٍ مثل “شبر ونص”، محاولاً تصغير المرأة كأداةٍ للهيمنة الى عضوه الذكري الذي عادة طبيعيا لا يتخطى الـ 30 سنتم للرجل الواحد، لكن تحولت الى شبر ونصف بفعل التوحد الجسدي. كان يظن أن اختزالها في “سنفورة” –كائنٍ صغير يُحمل في “غمرة” (غمرة صغيرة حولت الـ 30 سنتم الى شبر ونص وهي الشبر ونصف تحولت وتماهت مع عضوه ) أو يُنقل في “سفرة” (رشوة؟ للشبر ونصف؟)– يمنحه تضخماً في وجوده. كان يرى في المرأة “وردةً في حاكورة” يملكها ويصونها، لا حباً فيها، بل لأنها “تاجٌ للرأس” يُثبت به فحولته أمام الناس. في عقله الذكوري، كانت “شبر ونص” هي المساحة التي يمكنه السيطرة عليها، وهي “عضوه المكتمل” الذي يتباهى به.

لكن المأساة الحقيقية تكمن في التماهي المرعب؛ فالرجل الذي غنى لـ “بنت الأصول” لم يكن يرى فيها إنساناً، بل كان يرى فيها “نهاية لرحلة” يقوم بها عضوه الذكري. لقد تماهى مع أداة سلطته لدرجة أنها أصبحت هي “المرأة”؛ تلك السنفورة التي تخرج من لبه، التي “تُشغل الدنيا” وتُحرك “حاله العالي”. لقد صار الرجل وعضوه والمرأة كتلةً واحدة من الاستعراض العقيم.

حين تحول العالم اليوم إلى أعضاء، انهار هذا العقد الجنسي الهش. الجنرال الذي كان يتبختر بـ “هيبته” و”صيانته” للنساء، وجد نفسه مجرد قطعة لحمٍ مترهلة. في المقهى، يجلس “الصحافي” الذي كان يظن أن مقالاته سلاحاً، ليجد نفسه مجرد سيجارةٍ عالقة في طرفِ “عضوٍ” يحاول التظاهر بالحكمة. لقد أدرك الجميع أن “شبر ونص” التي ظنوا أنها ملكيتهم الصغيرة، كانت في الحقيقة هي القوة التي تسيطر على خيالهم وعجزهم.

إن لحظة “التحجيم” الجماعي هذه هي أصدق لحظة في التاريخ؛ حيث اكتشف الرجل أن سلطته لم تكن يوماً نابعةً من فكرٍ أصيل، بل كانت “تضخماً” نرجسياً لعضوٍ ظنَّ أنه يقرر مصائر الشعوب. لقد أصبح الرجل أخيراً على مقاس أوهامه: مجرد قطعةٍ لحميةٍ تبحث عن معنى، مدركاً أن العالم –بنسائهِ وأحراره– لم يكن يوماً في حاجةٍ إلى سلطته، بل كان يحلم دائماً بيومٍ يستيقظ فيه ليجد الرجال قد فقدوا قدرتهم على “الانتصاب” السياسي، ليتحولوا من “أربابِ سجون” و”حماةٍ” يختزلون المرأة في “غمرة”، إلى بشرٍ عاديين، يحاولون بائسين أن يفهموا، لأول مرة، معنى أن تكون إنساناً لا سيِّداً.

وفي تلك المقبرة –التي كانت يوماً مسرحاً لهوسهم بالسيادة وتصغير الآخرين إلى “شبر ونص”– يقف هذا العالم الجديد، يراقبُ بقايا “الرجولة القديمة” وهي تتوارى. لقد اكتشف الرجل أخيراً أنه كان “مخصياً” منذ الأزل، لأن كل ما كان يملكه لم يكن قوةً، بل كان مجرد “استعراضٍ” طويلٍ للخواء، استعراضٌ كان يُغلف فيه قهر الآخرين بكلماتٍ من نوع “الغمرة” و”السنفورة” و”تاج الراس”، ليكتشف في النهاية أن “عضوه” و”مرأته” و”سلطته” لم تكن إلا خيطاً رفيعاً انقطع، ليبقى عارياً أمام حقيقة أنه كان مجرد “عضو” تائه في كونٍ لا يبالي بانتصاباته!

نزار ،

هل تحولت الى ببغاء جنسية؟

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …