من “صناعة الأفكار” إلى “سلاسل التوريد الرقمية”: كيف يفكك مارتن سوريل إرثه في WPP؟

لطالما عُرِف مارتن سوريل بكونه “مهندس” إمبراطورية WPP، لكنه اليوم، ومن خلال كيانه الجديد S4 Capital، يخوض معركة وجودية ضد النموذج الذي ساهم هو نفسه في بنائه. إنها ليست مجرد منافسة بين شركتين، بل هي محاولة متعمدة لتفكيك نموذج “الوكالة التقليدية” واستبداله بنموذج “سلسلة التوريد الرقمية” (Digital Content Supply Chain).

الإعلان كعملية تصنيعية لا فنية

في النموذج التقليدي الذي تتبناه كيانات مثل WPP، كانت عملية الإعلان تتوزع على “صوامع” (Silos) منفصلة: وكالة للإبداع، وأخرى لشراء المساحات الإعلامية، وثالثة للأبحاث (مثل TNS/Kantar). كان هذا النموذج مربحاً ولكنه بطيء، حيث يستهلك وقتاً طويلاً في التنسيق بين الأطراف، ويحمل تكاليف إدارية ضخمة.

مارتن سوريل قرر “نسف” هذا التفكك. لقد نظر إلى الإعلان باعتباره “سلسلة توريد” تقنية يجب أن تكون متصلة ومباشرة. من خلال دمج الإبداع (Media.Monks) مع تحليل البيانات (MightyHive)، خلق سوريل منظومة لا تعتمد على الإلهام الفني فقط، بل على تدفق البيانات اللحظي.

“موت” الأبحاث التقليدية (تجاوز نموذج TNS)

تعد شركات أبحاث السوق التقليدية – التي كانت تبيع تقاريرها لـ WPP وعملائها – ضحية غير مباشرة لاستراتيجية سوريل. في السابق، كانت العلامات التجارية تدفع مبالغ طائلة لـ TNS أو غيرها لتقديم رؤى (Insights) بعد أسابيع من إطلاق الحملات.

أما نموذج سوريل فهو يعتمد على “البيانات هي المحتوى”. في عالم S4 Capital، لا يتم الانتظار لتقرير بحثي لتقييم الأداء؛ بل يتم دمج أدوات القياس داخل الحملة نفسها. الذكاء الاصطناعي يقوم الآن باختبار ملايين النسخ من المحتوى في نفس اللحظة التي يُعرض فيها، ويتخذ قرارات التحسين تلقائياً. بهذه الطريقة، أصبحت الأبحاث “جزءاً من العملية” وليست “خطوة تالية لها”، مما أفقد شركات الأبحاث التقليدية ميزتها التنافسية.

لماذا يخشى عمالقة الصناعة هذا النموذج؟

الضربة التي يوجهها سوريل لـ WPP هي ضربة “بنيوية”. فعندما يتحول الإعلان إلى “سلسلة توريد”، فإنك تقضي على الوسطاء. S4 Capital تعمل بنموذج يوحد الإنتاج والبيانات، مما يجعلها:

  1. أسرع: حيث تختفي حواجز التنسيق بين الوكالات.

  2. أرخص: حيث تقل الحاجة لجيوش من الموظفين الإداريين الذين ينسقون بين الوكالات.

  3. أكثر دقة: حيث تُربط النتائج التجارية بالبيانات مباشرة، بعيداً عن تقييمات الإبداع الذاتية أو الجوائز الرمزية.

الرياض: المختبر المثالي للتفكيك الإبداعي

لاختبار هذا النموذج، اختار سوريل الرياض. ففي أسواق مثل لندن أو نيويورك، يواجه سوريل “مقاومة التراث”؛ حيث توجد عقود طويلة الأمد، وعلاقات متجذرة، وأنظمة عمل قديمة في وكالات WPP.

أما في السعودية، وتحديداً مع المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية، فإن سوريل يجد “صفحة بيضاء”. هذه المشاريع لا تحتاج إلى وكالة إعلانية تقليدية، بل تحتاج إلى “منظومة تقنية” قادرة على بناء هوية مدينة من العدم، وتحليل سلوك ملايين البشر، وإدارة محتوى عالمي يتغير بالثانية. الرياض هنا لا تستورد خدمات، بل تستورد “طريقة عمل جديدة” تحول الإبداع من فن تجميلي إلى أصل رأسمالي (Asset) يعتمد على التكنولوجيا.

 صراع البقاء

مارتن سوريل يدرك أن WPP، بطاقمها الضخم وهياكلها المعقدة، لن تستطيع التحول بسرعة كافية لتصبح “شركة تكنولوجية”. لذلك، هو لا يحاربها في ساحتها القديمة، بل يسحب السجادة من تحتها من خلال جعل “السرعة والبيانات” هما العملة الوحيدة في السوق.

إن استراتيجية “سلسلة التوريد” التي يطبقها سوريل تجعل من الإعلان عملية صناعية لا فنية، وهو ما قد يجعل من إمبراطوريات الماضي تبدو كأنها “مصانع يدوية” في عصر الذكاء الاصطناعي؛ بطيئة، مكلفة، ومعزولة عن نبض البيانات اللحظي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …