من “WPP” إلى الرياض: مارتن سوريل وإعادة اختراع صناعة الإعلان في عصر الرؤية

بعد خروجه المثير للجدل من إمبراطورية “WPP” عام 2018، لم يتعامل مارتن سوريل مع تأسيس شركته الجديدة “S4 Capital” بوصفها مجرد منافس جديد، بل كمحاولة جذرية لإعادة تعريف “صناعة الإعلان” من أساسها. فقد انطلق سوريل من قناعة راسخة بأن النموذج التقليدي للوكالات الكبرى، القائم على الهياكل الهرمية البيروقراطية والفصل القسري بين الإبداع، البيانات، والتكنولوجيا، قد انتهى زمنه أمام سطوة المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

فلسفة “الرشاقة” والانفصال عن الماضي

سعى سوريل إلى بناء كيان أكثر رشاقة، حيث دمج “MediaMonks” و”MightyHive” تحت علامة واحدة هي “Media.Monks”، معتمداً نموذجاً تشغيلياً يربط الإبداع مباشرة بالنتائج التجارية، لا بالجوائز الرمزية. في تصوره، الذكاء الاصطناعي ليس “إضافة” بل هو “البنية التحتية” التي تجمع البيانات، تتوقع سلوك الجمهور، وتولد محتوى مخصصاً في الزمن الفعلي. ومن هنا، تحول دور الوكالة من “منتج إعلانات” إلى “شريك استراتيجي” في بناء تجارب العلامة التجارية الشاملة.

الرياض: العاصمة الإبداعية الجديدة

في هذا السياق، لم يكن نقل المقر الإقليمي لـ “Media.Monks” من دبي إلى الرياض مجرد قرار لوجستي، بل كان قراءة دقيقة لتحول مركز الثقل الاقتصادي في المنطقة. بينما كانت دبي لعقود مركزاً للعمليات الإقليمية للوكالات التقليدية، أصبحت الرياض اليوم “المختبر العالمي” لصناعة المستقبل.

ما يجذب سوريل وغيره من عمالقة الصناعة إلى السعودية ليس حجم السوق فحسب، بل طبيعة المشاريع العملاقة مثل “نيوم”، “القدية”، و”البحر الأحمر”. هذه المشاريع لا تطلب حملات إعلانية تقليدية، بل تتطلب “هندسة صورة وطنية” وسرديات عالمية لمستقبل لم يكتمل بعد. إن الرياض اليوم ليست مجرد ساحة لتنفيذ الخدمات، بل هي مكان لصياغة المعنى التجاري والاستراتيجي؛ حيث تلتقي طموحات صندوق الاستثمارات العامة بالابتكار التقني.

خريطة الوكالات: التمييز بين الأسماء والممارسات

بينما يعيد سوريل رسم خريطة الصناعة، تبرز تساؤلات حول الأدوار التقليدية للوكالات العالمية في المنطقة. من الضروري هنا التمييز بين كيانات مثل “Saatchi & Saatchi” وشقيقتها “M&C Saatchi”.

تاريخياً، عملت “Saatchi & Saatchi” كوكالة إبداعية (Creative Agency) ركزت على تطوير المفاهيم والرسائل الإعلانية لعلامات كبرى، بينما اتخذت “M&C Saatchi MENA” مساراً يتضمن عمليات تخطيط وشراء إعلامي (Media Planning & Buying) في أسواق مثل لبنان والمنطقة. على عكس الوكالات الرقمية الحديثة التي تدمج البيانات بالإنتاج، ظلت هذه الكيانات جزءاً من “المدرسة الكلاسيكية” التي تتعامل مع الوسائل الإعلامية التقليدية والجديدة بشكل منفصل. ومن المهم توضيح أن الوثائق العامة لا تربط “Saatchi & Saatchi” تحديداً بحملات معينة في مؤسسات إعلامية محددة مثل “LBCI” أو “الأخبار”، حيث غالباً ما يتم شراء المساحات عبر وكالات وسائط متخصصة أو عبر أقسام إعلامية منفصلة داخل الشبكات الكبرى.

الاستنتاج: نحو مرحلة صناعة القيمة

إن حضور سوريل في “دافوس الصحراء” (مبادرة مستقبل الاستثمار) يثبت أن مراكز القوة لم تعد في المكاتب الزجاجية التقليدية، بل حيث تُرسم الخطط الكبرى. السعودية اليوم لا تطلب من الوكالات “خدمات”، بل تطلب “قيمة”؛ تطلب بناء تجارب، تصميم هويات مدن، وإدارة سمعة دولية رقمية.

إن التحول الذي تقوده الرياض يضع نهاية لعصر “الإعلانات الجاهزة”، ويفتتح عصراً جديداً يتطلب مواهب وطنية مدعومة بتكنولوجيا عالمية. في هذا المختبر السعودي، لم يعد الإبداع عنصراً تجميلياً، بل هو جزء أصيل من الاقتصاد، وشريك أساسي في تحويل الرؤى السياسية والاقتصادية إلى قصص إنسانية عالمية. إنها “الرياض” التي تتحول من سوق مستهلك للخدمات الإعلانية إلى صانع ومبتكر لمستقبل صناعة الإبداع في العالم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …