يارا بيطار: حين يصبح الجسدُ لسانَ الروحِ وهندسةَ التسبيح

 في عالم الرقص المعاصر، غالباً ما يُنظر إلى الجسد بوصفه أداةً للجمال أو التعبير عن الذات. لكن في تجربة يارا بيطار، يتحول هذا الجسد إلى “قربانٍ حركي”، وإلى أداة لاهوتية تعيد صياغة مفهوم التسبيح في الكنيسة اللبنانية. إنها الفنانة التي جمعت بين صرامة الأكاديميا وعمق الوجدان، لتخرج الرقص من قوالبه الاستعراضية الصرفة وتضعه في “مختبر روحي” أطلقت في   “يسوع فرحي”.

جسرٌ بين الأكاديميا والرسالة

لا يمكن فصل إبداع يارا بيطار عن مسيرتها المهنية الرصينة؛ فهي لا تكتفي بكونها فنانة ملهمة، بل هي مدرّبة رقص (Dance Instructor) محترفة في «Arabesque Ballet Studio» والجامعة اللبنانية الالمانية، حيث تصقل أجيالاً من الراقصين بأسس الباليه الكلاسيكي وتقنيات التعبير الحديث. هذا التكوين الأكاديمي يمتد إلى قاعات الدرس في الجامعة اللبنانية الالمانية، حيث تنقل يارا خبرتها المعرفية والعملية إلى طلابها، مؤكدة أن الرقص هو علمٌ وفنٌ يتطلب الانضباط بقدر ما يتطلب الشغف.

هندسةُ الفراغ: حين يُبنى المسرحُ من لحمٍ ودم

إن ما يميز بصمة بيطار هو “الهندسة المعمارية للحركة”. هي لا ترى المسرح فراغاً شاغراً، بل مساحة مقدسة تتطلب توزيعاً دقيقاً للكتل البشرية. ومن خلال خلفيتها في “أرابيسك” وتدريسها الجامعي، طورت رؤية ترى في الراقصين “أحجاراً حية” في بناء هندسي متناغم. هي تدرس المسافات والزوايا بدقة المهندس، لتبني “كاتدرائية من أجساد” تعكس التوازن الروحي الذي تنشده في ترانيم “يسوع فرحي”.

مختبر “يسوع فرحي”: حيث يُنطقُ الصمتُ حركةً

داخل “يسوع فرحي”، استطاعت يارا أن تحوّل خبرتها المهنية إلى لغة بصرية تخدم الغاية الروحية. فهي تدرك أن التعبير عن “الفرح” لا يتطلب بهلوانيات، بل صدقاً في الإيماءة. إن رفع اليدين، والانتقال الانسيابي بين المستويات، والدوران الذي يحاكي دوائر الصلاة؛ كلها عناصر كوريغرافية تستمد دقتها من تمريناتها اليومية في الاستوديو، لكنها تكتسب في فضاء التسبيح أبعاداً تعبدية عميقة، تحوّل العرض المسرحي إلى “نصّ مقدّس” ملموس.

الجسدُ كقوسِ صلاة

في رؤية بيطار، الجسد هو “قوس الصلاة” الذي يصل الأرض بالملكوت. هي لا تعلّم طلابها في الجامعة أو الاستوديو مجرد خطوات، بل تعلّمهم كيف يجعلون من الجسد أداةً للصدق. كل انحناءة هي ركوعٌ داخلي، وكل وثبة هي تطلعٌ نحو المطلق. في عروضها، تتلاشى الحدود بين “التقنية العالية” و”العفوية الروحية”، لتخلق عرضاً يبدو بسيطاً في سطحها، لكنه محكوم بحساب دقيق للفراغ والزمن، تماماً كما تُبنى المخططات المعمارية.

أثرٌ يتجاوزُ خشبة المسرح

إن أهمية يارا بيطار تكمن في قدرتها على التوفيق بين مسارين: مسار المدرّبة الأكاديمية التي تخرّج أجيالاً واعيةً بجماليات الجسد، ومسار الفنانة التي جعلت من “الرقص التسبيحي” جزءاً من الهوية الثقافية والروحية في لبنان. إنها تقدم نموذجاً للمثقفة الفنية التي تؤمن بأن الفن، مهما تعقدت تقنياته، يظل في جوهره بحثاً عن الجمال، والجمال في ذروته هو دائماً وجهٌ من وجوه الله.

اليوم، يظل مشروع يارا بيطار دعوةً مفتوحة لرؤية الإيمان “مجسداً”. هي لا تقدم عرضاً نراه بالعين فحسب، بل تقدم صلاةً نختبرها بالقلب، مؤكدةً في كل مرة أن الحركة حين تترفع عن الأنا، تصبح صدىً لترنيمة أبدية لا تصمت.


سواء في قاعات التدريس في الجامعة اللبنانية الالمانية، أو في أروقة “Arabesque Ballet Studio”، أو على خشبات مسارح “يسوع فرحي”، تظل يارا بيطار ترسم ملامح الصلاة بالحركة، محولةً كل خطوة إلى شهادة على أن الجسد، حين يحترف الجمال، يصبح قادراً على الصلاة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …